الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
73
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
إن قسما مهما من القرآن المجيد يبين تاريخ وقصص الماضين ، وذكر كل هذه الوقائع التاريخية التي جرت على السابقين في القرآن الذي هو كتاب يهتم بتربية الإنسان ليس أمرا اعتباطيا عبثيا ، بل الغاية منه الاستفادة من الأبعاد المختلفة في تأريخ هؤلاء ، عوامل الانتصار والهزيمة ، والسعادة والشقاء ، والاستفادة من التجارب الكثيرة المخفية في طيات تاريخ أولئك السابقين . وبصورة عامة ، فإن من أكثر العلوم اطمئنانا وواقعية هي العلوم التجريبية التي تخضع للتجارب في المختبر ، وتظهر نتائجها الدقيقة . والتأريخ مختبر كبير لحياة البشر ، وفي هذا المختبر سر شموخ الأمم وسقوطها ، نجاحها وفشلها ، سعادتها وتعاستها ، فكلها وضعت تحت التجربة وظهرت نتائجها أمام أعيننا ، ونحن نستطيع بالاستفادة من تلك التجارب أن نتعلم قسما من معارفنا الأكثر اطمئنانا في مجال أمور حياتنا . وبتعبير آخر ، فإن حاصل حياة الإنسان - من جهة - هو التجربة ، ولا شئ غيرها ، والتاريخ - إذا كان خاليا من كل أشكال التحريف - هو حاصل حياة آلاف السنين من عمر البشر جمعت في مكان واحد في متناول الباحثين والدارسين . ولهذا السبب يؤكد أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) في مواعظه الحكيمة لولده الإمام الحسن ( عليه السلام ) على هذه النقطة بالذات ، فيقول : " أي بني ، إني وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي ، فقد نظرت في أعمالهم ، وفكرت في أخبارهم ، وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم ، بل كأني بما أنتهي إليه من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم ، فعرفت صفو ذلك من كدره ، ونفعه من ضرره ، فاستخلصت لك من كل أمر نخيله " ( 1 ) . بناء على هذا ، فإن التاريخ مرآة يعكس الماضي ، وحلقة تربط الحاضر
--> 1 - نهج البلاغة . الرسالة 31 . قسم الرسائل .